التقارير

القانون الدولي يبيح هروب الأسرى من سجون الاحتلال

أثارت عملية هروب الاسرى الفلسطينيون بالأمس جدلاً محليًا ودوليًا واسعًا، فقد قام ستة من الأسرى المحكوم على أربعة منهم بالسجن مدى الحياة وموقوفين آخرين يتوقع أن يحكم عليهم بأحكام مشابهة بالفرار من السجن الأكثر تحصينًا في إسرائيل (سجن جلبوع)، ونجاح عملية الفرار أثارت كثير من التساؤلات عن فشل المنظومة الأمنية الإسرائيلية باكتشاف عملية التخطيط للهروب، وكذلك أثارت تساؤلات قانونية عديدة عن شرعية فرار الأسرى من مكان احتجازهم.

محاولات كثيرة للهرب من سجون الاحتلال الإسرائيلي؛

وعملية الهروب هذه ليست الأولى في التاريخ الفلسطيني- الإسرائيلي، فقد سبقتها العشرات من المحاولات للهروب من سجون الاحتلال الإسرائيلي، ففي 31 يوليو/تموز 1958م، سجّل سجن “شطة” شمالي الأغوار، أكبر عملية هروب من السجون الإسرائيلية”. وفي حينه، خاض نحو 190 أسيرًا فلسطينيًا مواجهة مع سجانيهم، وسيطروا على عدد منهم، فاستشهد 11 أسيرًا، وقُتل سجانان إسرائيليان، ونجح آنذاك 77 أسيرا بالهرب. وتمكّن الأسير حمزة يونس من قرية “عارة” جنوب حيفا، من الفرار من اعتقاله ثلاث مرات، الأولى: من سجن عسقلان في 17 أبريل/نيسان 1964م؛ والثانية: من المستشفى عام 1967م، والثالثة: من سجن الرملة عام 1971م. وتمكن الأسير محمود عبد الله حمّاد، ابن قرية سلواد شمال شرق رام الله، من الهروب خلال نقله من سجن إلى آخر في نوفمبر/تشرين ثاني 1969م، وظل مطاردًا لتسعة أشهر قبل أن ينتقل إلى الأردن. ونجح الأسير ناصر عيسى حامد، في الهروب من محكمة الاحتلال برام الله في 27 يناير/كانون الثاني 1983، لكنه اضطر لتسليم نفسه بعد أيام من المطاردة. وفي 17 مايو/أيار عام 1987م، وقع الهروب الكبير من سجن غزة، بعد قص قضبان نافذة المرحاض، وكان العقل المدبر للهروب هو الشهيد والأسير السابق مصباح الصوري المولود في مخيم المغازي في قطاع غزّة عام 1954م، والذي سبق وحاول الهروب سجن بئر السّبع أكثر من مرة. إلى جانب الصوري كان أيضًا: صالح شتيوي، وسامي الشيخ خليل، ومحمد الجمل، وعماد الصفطاوي، وخالد صالح. وتمكن الصوري من الاختفاء 4 أشهر، لكنه استشهد في اشتباك مع قوات الاحتلال، ثم استشهد محمد الجمل وسامي الشيخ خليل بعد أشهر، واعتقل صالح شتيوي بعد 7 أيام من الهرب، في حين تمكن عماد الصفطاوي، وخالد صالح من مغادرة غزة. ونجح الأسير خليل مسعود الراعي من حيّ الزيتون بغزة، مع رفيقيه شوقي أبو نصيرة وكمال عبد النبي، في الهروب من سجن نفحة عام 1987م، لكن أعيد اعتقالهم بعد ثمانية أيام خلال محاولتهم المغادرة إلى مصر. وفي 21مايو/أيار 1990م تمكّن الأسير عمر النايف، وهو من مدينة جنين، من الهروب من السجن عندما نقل للعلاج في مستشفى ببيت لحم (جنوب) إثر إضرابه عن الطعام، وذلك بعد مضي أربع سنوات من اعتقاله، وبعد فترة وجيزة نجح في المغادرة إلى الأردن ثم إلى بلغاريا عام 1994م، وهناك اغتيل داخل مبنى السفارة الفلسطينية في 26 فبراير/شباط 2016م. في 4 أغسطس/آب 1996م. ونجح غسان مهداوي، ورفيقه توفيق الزبن في الهروب من سجن “كفار يونا” (وسط فلسطين المحتلة) عبر نفق بطول 11 متراً، في أول هروب لأسيرٍ فلسطيني عبر نفق، وذلك بعد خلع البلاط، لكن الاحتلال أعاد اعتقال مهداوي في العام التالي، فيما اعتقل الزبن عام 2000م. وفي العام 1996م، حاول 16 أسيراً، الهروب عبر حفر نفق أرضي، في سجن عسقلان، وتمكن الأسرى من حفر مسافة 17 مترًا تحت الأرض، لكن انسداد شبكة الصرف الصحي، أثارت شكوك إدارة السجن بوجود عملية حفر لنفق، وأجرت تفتيشًا، وهو ما أفشل العملية. ومن سجن شطة عام 1998م حاول عدد من الأسرى أبرزهم عبد الحكيم حنيني وعباس شبانة وإبراهيم شلش، الهرب عبر حفر نفق أرضي، من داخل الزنزانة، إلى خارج السجن، ونجحوا في ذلك، لكنهم فوجئوا بعد خروجهم من فترة النفق، خارج السجن، باكتشاف كلاب بوليسية لهم، حيث تم اعتقالهم مجددًا. وأعلنت إدارة السجون، في 4 أغسطس/آب 2014م، إحباط محاولة هروب جماعية لأسرى من سجن جلبوع، بعد قيام أسرى بأعمال حفر في نفق من مرحاض إحدى الزنازين. وفي سجن إيشل في بئر السبع أُحبطت محاولة أسير فلسطيني للهرب من “طاقة تهوية” في10 أكتوبر/تشرين أول. هذه إذن بعض أهم محاولات الهروب التي تمت في السنوات السابقة.

الفكر الفلسفي للهروب من السجن؛

وشرعية الهروب من السجن ليست فكرة حديثة، فهذه الفكرة جزءًا من التطور الذي عاشته أوروبا في القرنين السادس والسابع عشر، مع غروب مفاهيم القانون في العصور الوسطى وصعود مدرسة الحرية والحقوق الطبيعية للإنسان، التي تعرف باسم “مدرسة سالامانكا”. فقد اعتبر فرانسيسكو سواريز، الفيلسوف الذي عاش في غرناطة بين القرنين السادس والسابع عشر أن: للسجين الحق الكامل في الهروب إذا كانت العقوبة التي صدرت بحقه قاسية جدًا وكان السجن الذي سُجن فيه غير صحي. هذا حتى في حال كانت العقوبة عادلة.

القوانين والأنظمة الدولية؛

فالمادة 91 من اتفاقية جنيف الثالثة، تنص على أن “أسرى الحرب الذين ينجحون في الهروب بمفهوم هذه المادة ويقعون في الأسر مرة أخرى لا يعرضون لأية عقوبة بسبب هروبهم السابق”. وفي حال كان الشخص مدنيًا، وليس أسير حرب، فغاية ما يقع عليه جراء هروبه هو عقوبة تأديبية.

وهذه النصوص الدولية الواضحة يعضدها الطبيعة البشرية التي تتوق إلى الحرية وعدم القبول بالأسر الجبري الذي تمارسه دولة إسرائيل، فهؤلاء الأسرى محكوم عليه بالسجن مدى الحياة، أي أنهم لن يخرجوا من الأسر سوى جثث هامدة، وأكثر من ذلك فإسرائيل تمارس حجز جثث الأسرى بعد موتهم داخل السجون لسنوات طويلة وما زال الكثير من الأسرى الفلسطينيين أسرى في مقابر الأرقام الإسرائيلية، لذا يصبح لزمًا على الأسير التفكير بالهروب لنيل حريته، خاصة وأنهم أسرى بسبب قضية شرعية وهي مقاومة الاحتلال.

وهذا الحق (الفرار من الأسر)؛ تتحدث عنه مدونات سلوكية للعديد من الجيوش في العالم، فعلى سبيل المثال يقع على الجندي الأمريكي الذي يخدم في قواتها المسلحة “واجباً قانونيا” بالسعي للهرب في حالة الوقوع في الأسر. وهذا ما تنص عليه مدونة قواعد السلوك لأفراد القوات المسلحة الأمريكية، التي تقضي بأن الجندي الأمريكي إذا تم أسره فسوف يستمر في المقاومة بكل الوسائل المتاحة، وسيبذل قصارى جهده للهروب ومساعدة الآخرين على الهروب، وتنص المدونة بأنه: “يجب أن يكون أسير الحرب مستعدًا للهروب كلما سنحت الفرصة”.

وهذا ما أشار إليه أيضًا التعليق الخاص باللجنة الدولية للصليب الأحمر (1960)، بأنه “يمكن تصور محاولة أسير الحرب الهروب من خاطفيه بطريقة مشروعة، بل إنَّ البعض يعتبر أن على أسرى الحرب التزامًا أخلاقيًا بمحاولة الهروب، وفي معظم الحالات تكون هذه المحاولات مدفوعة بالبحث عن الحرية والحق بمقاومة الظلم الواقع على الأسير.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى