التقارير

تقادم القوانين يؤدي إلى انتهاك حقوق الإنسان الفلسطيني

تُشكِّل المنظومة القانونية الفلسطينية حالة فريدة من نوعها على المستوى العالمي، فقد توالى على حكم الأراضي الفلسطينية العديد من الدول وفي فترات قصيرة ومتوسطة نسبيًا، وكان لكل دولة من هذه الدول مجموعة من القوانين والأنظمة التي فرضتها خلال وجودها.

فالدولة الأطول حكمًا للأراضي الفلسطينية هي الدولة العثمانية وقد سرت قوانينها على فلسطين لمئات السنوات، وقد تركت أثرًا قانونيًا لا يزال ماثلًا حتى الآن، مثل المجلة العدلية التي يؤخذ ويستل منها الأحكام بالإضافة لقوانين البندرول والتبغ. وأما الاستعمار البريطاني فقد ترك أثرًا أشد عمقًا وتأثيرًا؛ تمثّل بقوانين الطوارئ التي فرضها على فلسطين وأصبحت مرجعية للتعامل مع المواطنين حتى اللحظة في كثير من موادها وارتكزت عليها معظم القوانين الناشئة فيما بعد. بعد ذلك تم اقامت دولة إسرائيل على ما يزيد من 72% من أراضي فلسطين التاريخية، وقامت منذ انشائها باستحداث عشرات القوانين والأنظمة القانونية التي فرضتها على المواطنين الفلسطينيين وسيّرت حياتهم على أُسسها. وكان هناك الحكم الأردني للضفة الغربية والذي طبقت فيه الأردن القوانين السارية في المملكة نفسها على الأراضي الفلسطينية، بالإضافة للحكم المصري لقطاع غزة وبالمثل طبقت الحكومة المصرية قوانين مصرية ومستحدثة مستمدة من قوانينها على المواطنين الفلسطينيين المقيمين في القطاع. بعد ذلك احتلت إسرائيل في حزيران عام 1967م الضفة الغربية وقطاع غزة وفرضت عليهم قرارات عسكرية وصلت لأكثر من خمسة عشر ألف قرار عسكري؛ حولت الوضع القانوني فيما تبقى من الأراضي الفلسطينية إلى سجن كبير ومواطنين منزوعي الحقوق ومكبلين بقرارات طالت كافة جوانب حياتهم. وهناك القانون الثوري لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي يفرض بالقضاء العسكري وعلى المواطنين الفلسطينيين في مخيمات اللجوء خارج فلسطين وبعد ذلك أتت السلطة الفلسطينية مطلع التسعينيات من القرن المنصرم على بقعة صغيرة من أراضي الضفة الغربية وعملت على استحداث بعض القوانين الناظمة لحياة المواطنين، إلا ان جل القوانين بقيت على ما هي عليه، بسبب تعطيل المجلس التشريعي الفلسطيني من قِبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن، وتعطيل الكثير من المحاولات لإقرار الكثير من القوانين من قبل المتنفذين بالسلطة الفلسطينية في فترة حكم ياسر عرفات أبو عمار.

هذه المنظومة القانونية -رغم تقادمها؛ وزوال الدول المحتلة السابقة- ما زالت سارية المفعول وذات تأثير قانوني على المواطنين. وكان الرئيس الراحل ياسر عرفات أصدر بعد توقيع اتفاقية أوسلو قرارا في تونس يحمل رقم 1/1994 بتطبيق القوانين السارية في الأراضي المحتلة قبل الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، ثم أصدر مرسوما آخر بإلغاء عدة أوامر عسكرية إسرائيلية صدرت بعد عام 1967، مما يعني نفاذ باقي الأوامر التي لا يقل عددها عن 14 ألف أمر. فكل قانون من منظومة القوانين النافذة في الأراضي المحتلة ينص على إلغاء كل ما يتعارض معه من القوانين السابقة، مما يعني استمرار سريان القوانين غير المتعارضة. فكما أسلفنا لا زالت المجلة العدلية وقوانين التبغ العثمانية والتي يعود إقرارها لمئات السنوات هي الناظمة لهذه الشؤون، كذلك قوانين الطوارئ البريطانية للعام 1945م ما زالت تمثل مرجعية قانونية للكثير من القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والجنائية، على الرغم من أنها تنقص من حقوق المواطن الفلسطيني، وهناك أيضًا آلاف القرارات العسكرية  الإسرائيلية التي ما زالت ذات أثر قانوني ويعمل بها من قبل القضاء الفلسطيني، على الرغم من مساسها لحقوق الأساسية وسبب وجودها هو قوننة الاحتلال وانتزاع حقوق المواطن الفلسطيني ومنحها للاحتلال. وهناك أيضَا القوانين الأردنية مثل قانون العقوبات وقانون المالكين والمستأجرين والأراضي، كذلك القوانين المصرية بمجالات متعددة في قطاع غزة، بينما يرجع القضاء العسكري إلى القانون الثوري لمنظمة التحرير الفلسطينية. هذا بالإضافة لعشرات القرارات بقانون التي أصدرها محمود عباس منذ حل المجلس التشريعي، والتي بدورها أصدرت على عجل ولفرض الواقع في كثير من مجالات الحياة، والتي بحاجة لمراجعة شاملة وإقرار من المجلس التشريعي الفلسطيني حال تمت الانتخابات وسمح له بممارسة مهامه المنوطة به.

هذا الخليط الغير متجانس والمتقادم من القوانين السارية ومنذ حقب حكم متغايرة ومتعددة أصاب حياة المواطن الفلسطيني بالإرباك ونزع منه كثير من حقوقه على اعتبار أن جلّها تم إقراره من دول محتلة ومهيمنة على المصير الفلسطيني، ويتطلب هذا الأمر خطوات فعّالة وناجعة، لعل أهمها إعادة الحياة إلى المجلس التشريعي الفلسطيني، وتشكيل لجان قانونية خبيرة وذات صلاحيات لمراجعة شاملة لكافة القوانين والأنظمة وإلغاء القديم منها وكل ما يتعارض مع حقوق والتزامات المواطن الفلسطيني، واستبدال القوانين السابقة بقوانين فلسطينية تأخذ بالاعتبار خصوصية الحالة الفلسطينية، وإلغاء كافة القرارات العسكرية الإسرائيلية وقوانين الطوارئ البريطانية والقوانين العثمانية والمصرية والأردنية واحلال قوانين عصرية وملائمة للمواطن الفلسطيني.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى