التقارير

خربة الدُّقيقة؛ شاهدٌ حي على ممارسات سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحق الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية.

تقع قرية خربة الدّقيقة في جنوب جبال الخليل ويصل تعداد سكانها إلى أكثر من 300 شخص. وبرغم أنّ القرية تقع في هذا الموقع المجاور للخط الأخضر منذ عشرات السنوات، فإنّ الإدارة المدنية ترفض وبصورة قاطعة طلبات سكانها لتخطيطها، وبدلًا من ذلك أصدرت أوامر هدم المباني التي شُيّدت في القرية.

في أعقاب أوامر الهدم التي صدرت ضدّ مبانٍ في القرية عام 2005، بما فيها المدرسة والمسجد، قُدّم التماسًا للمحكمة العليا باسم الملتمسين. وطولبت الإدارة المدنية في الالتماس بإبطال الأوامر التي صدرت حتى ذلك الوقت ضدّ مبان في القرية، وبتجهيز خارطة هيكلية لها. وردًا على الالتماس ادّعت الإدارة المدنية أنّ القرية لا تستوفي المعايير التي أقرّتها من أجل تخطيط القرى في مناطق C وشدّدت على أنه “من غير الممكن أن تنشط السلطات بشكل روتينيّ من أجل دفع الخرائط الهيكلية لصالح كلّ تجمّع بناء غير قانونيّ”. وواصلت الإدارة ادعاءاتها بأنّ ثمة قرية تقع على بُعد بضعة كيلومترات من خربة الدقيقة، تنظر الإدارة المدنية في إمكانية تخطيطها (حميدة). وقالت الإدارة المدنية إنّ سكان القريتيْن ينتمون إلى القبيلة البدوية ذاتها وإنّ المدرسة والعيادة في حميدة تخدمان سكان خربة الدقيقة أيضًا. ولذلك، فإنّ “إقامة المباني غير القانونية” في خربة الدقيقة لا تبرّر “تنظيم مساحة أخرى في هذه المنطقة”. لكنّ الإدارة المدنية قالت مع ذلك إنّه يحق لسكان القرية أن يقدّموا بأنفسهم مقترحًا لخارطة هيكلية، ستقوم الإدارة بفحصها بشكل معمق.

وفي كانون الثاني 2010 رفضت المحكمة الالتماس، بعد أن قضت بأنّ لا مبرر للتدخل في اعتبارات الإدارة المدنية. وفي كانون الثاني 2011، وبعد سنة على ذلك وقبل أن ينجح سكان القرية في تجهيز خارطة هيكلية كما اقترحت الإدارة المدنية في ردّها على الالتماس، هدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي 17 مبنًى في خربة الدقيقة، بما فيها خيام سكنية وغرفة تدريسية. وتوجّه ممثلو سكان القرية إلى سلطة الاحتلال وطلبوا معرفة موقفها المبدئيّ بما يخصّ تخطيط القرية. وردّت في أيلول 2011 بأنّ “احتمالات تصديق الخارطة المطلوبة للتجمّع العمرانيّ هي متدنية جدًا”، لأنّ “القرية ستستصعب إدارة نفسها كوحدة مجتمعية وجغرافية”، وأنّ عدد السكان فيها لا يمكن أن يبرّر التكاليف المتعلقة بإقامة البنى التحتية والخدمات المتعلقة بإقامة بلدة مستقلة. ويأتي هذا برغم أنّ سلطات الاحتلال صدّقت في منطقة جنوب جبال الخليل وفي مناطق أخرى في الضفة الغربية إقامة مستوطنات صغيرة بلغ عدد سكانها عشرات أو مئات قليلة من السكان (عند تأسيسها)، وتلك التي تبعد كيلومترات قليلة فقط عن مستوطنات قائمة.

وفي كانون الأول 2011 سلمت سلطات الاحتلال أوامرَ هدم لـ 46 مبنًى آخر في القرية. إلى جانب أوامر هدم صدرت في السنوات السابقة، فقد وصل عدد المباني المهدّدة بالهدم في القرية إلى 77 مبنًى، وهي غالبية مباني القرية. تووجّه سكان القرية إلى المحكمة العليا ثانيةً وطالبوا بتجميد تنفيذ أوامر الهدم، ما دامت الخارطة الهيكلية للقرية لم تُستكمل بعد، وما دامت هذه الخارطة لم تُبحث في مؤسّسات التخطيط التابعة لسلطات الاحتلال.

 في أعقاب تقديم الالتماس، توصّل الأطراف إلى موافقة تفيد بقيام سلطات الاحتلال بالنظر في خارطة هيكلية يقدّمها إليها الملتمسون ودعوتهم إلى عرضها أمام جهات التخطيط التابعة لها. والتزمت بعدم هدم البيوت في القرية إلى حين الانتهاء من مناقشة الخارطة، فيما التزم الملتمسون بعدم تشييد أبنية جديدة. وقد حظي الاتفاق بين الطرفين بسريان مفعول على أنه قرار حكم في نيسان 2012.

في آذار 2013 رفضت سلطات الاحتلال الخارطة الهيكلية التي قدّمها سكان القرية من دون أن يُدعى سكان القرية أو ممثلوها ومحاموها لعرض الخارطة أمام جهات التخطيط التابعة لها، كما التزمت سلطات الاحتلال سابقًا. وفي أعقاب مطلب ممثلي سكان القرية، ألغت سلطات الاحتلال القرار ومن المفترض بها أن تدعو ممثلي القرية قبل اتخاذها قرارًا جديدًا. وإلى حين حدوث ذلك، فُرض على القرية أن تظلّ راكدة وخاملة: فسكانها ممنوعون من بناء البيوت الجديدة أو مؤسسات عامة، كما يُحظر عليهم الارتباط بشبكتي الكهرباء والماء، ويواصلون العيش في ظلّ ضبابية مستقبلهم في المكان.

إضافة إلى ما تقدّم، يمرّ جنوبيّ القرية المسار المخطط لجدار الفصل، والذي يفصل بين القرية وبين أراضي الرعي التابعة لها (مساحتها قرابة 5000 دونم) وآبار المياه التي تخدم السكان، مما يعني اعدام القرية والحكم عليها بعدم الاستمرار.

ونرى كحقوقيين أن تصرفات الاحتلال ضد التجمعات السكنية في الضفة الغربية هو مساس خطير بحقوق أصيلة لأصحابها، لا يحق لقوة الاحتلال المساس بها والتعديل عليها، وهذا ما ينص عليه القانون الدولي بخصوص المناطق الواقعة تحت احتلال الغير، وندعو الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية التحرك لكف يد سلطات الاحتلال الإسرائيلي لتغيير الواقع الجغرافي والديمغرافي في الأراضي الفلسطينية وصبغه بالصبغة التلمودية تمهيدًا لمصادرة الأرض وتهجير الإنسان الفلسطيني من أرضه.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى