التقارير

سلطات الاحتلال الإسرائيلية تمارس نظام أبارتهايد في الأراضي الفلسطينية.

يقيم في الأراضي الممتدّة بين النهر والبحر أكثر من 14 مليون إنسان؛ نصفهم يهود ونصفهم فلسطينيّون. الاعتقاد السّائد في المجالين العمومي والقضائيّ وفي ميدان السياسة وفي الخطاب الإعلاميّ في هذه الأراضي نظامان متوازيان يفصل بينهما الخطّ الأخضر: الأوّل يعمل داخل حدود إسرائيل السياديّة وهو ديمقراطيّ وثابت يقيم تحت كنفه نحو تسعة ملايين إنسان جميعهم مواطنون إسرائيليّون؛ والثاني يعمل في المناطق التي احتلتها إسرائيل في العام 1967 ويُفترض أن تحدّد مكانتها النهائيّة في مفاوضات مستقبليّة بين الطرفين. يقيم في هذه المناطق نحو خمسة ملايين فلسطينيّ تحت احتلال عسكريّ موقّت.

لكنّ هذا التعريف لا يمتّ للواقع بصِلة. إنّه تعريف يتجاهل حقيقة أنّ هذا الوضع يسود منذ أكثر من خمسين عاماً – معظم سنوات وجود دولة إسرائيل؛ وهو لا يأخذ بالحسبان مئات آلاف المستوطنين اليهود المقيمين في بلدات ثابتة شرق الخطّ الأخضر ويديرون حياتهم وكأنّهم يقيمون غربه؛ كما أنّه يغضّ الطرْف عن الاحتلال لشرقيّ القدس والضفة الغربيّة؛ ولكنّ الأهمّ من هذا كلّه هو أنّ هذا التمييز يطمس حقيقة وجود مبدأ ناظم واحد يتمّ تطبيقه في جميع الأراضي الممتدّة بين النهر والبحر: تعزيز وإدامة تفوّق مجموعة من البشر – اليهود – على مجموعة أخرى – الفلسطينيّون. كل هذا يفضي إلى النتيجة بأن هذين ليسا نظامين متوازيين يعملان وفق المبدأ نفسه تصادفاً، وإنّما هو نظام واحد يدير الأراضي كلّها يسيطر على جميع البشر المقيمين فيها ويعمل وفق المبدأ الناظم المذكور.

لماذا يعتبر هذا النظام أبارتهايد (فصل عنصري)؟

يطبّق نظام الاحتلال الإسرائيلي في كافّة الأراضي الممتدّة بين النهر والبحر قوانين وإجراءات وعُنفاً منظّماً (عنف الدّولة) غايتها السّعي إلى تحقيق وإدامة تفوّق جماعة من البشر أي اليهود على جماعة أخرى هُم الفلسطينيّون. وتشكّل هندسة الحيّز بطريقة مغايرة لكلّ من هاتين المجموعتين إحدى الأدوات المركزيّة التي يستخدمها النظام لتحقيق هذا الهدف.

المستوطنون اليهود المقيمون في الاراضي الممتدّة بين النهر والبحر يديرون حياتهم كأنّما هي حيّز واحد (ما عدا قطاع غزّة). الخطّ الاخضر يكاد لا يعني شيئاً بالنسبة إليهم ومسألة إقامتهم غربه ضمن الحدود السياديّة للدولة أو شرقه في المستوطنات التي لم تضمّها إسرائيل رسميّاً لا علاقة لها بحقوقهم أو مكانتهم.

في المقابل نجد أنّ مكان الإقامة مسألة مصيريّة بالنسبة للفلسطينيّين. لقد قسّم الاحتلال الإسرائيليّ الأراضي الممتدّة بين النهر والبحر إلى وحدات مختلفة تتميّز عن بعضها البعض في طريقة سيطرته عليها وتعريفه لحقوق سكّانها الفلسطينيّين. هذا التقسيم ذو صِلة بالفلسطينيّين فقط وهكذا فإنّ الحيّز الجغرافيّ المتواصل بالنسبة لليهود هو بالنسبة إلى الفلسطينيّين حيّز جزر من قطع مختلفة.

تطبّق سلطات الاحتلال الإسرائيلي في كافّة الأراضي الممتدّة بين النهر والبحر سياسة تهويد المكان التي يوجّهها تصوّر يعتبر الأرض مورداً مخصّصاً لخدمة الجمهور اليهوديّ بشكل شبه حصريّ. وفقاً لهذا التصوّر تتمّ إدارة موارد الأرض بهدف تطوير وتوسيع البلدات اليهوديّة وإقامة بلدات جديدة لليهود، وفي الوقت نفسه تجريد الفلسطينيّين من الأراضي ودحرهم إلى معازل ضيّقة ومكتظّة. منذ العام 1948 طبّقت هذه السياسة على الأراضي الواقعة داخل الحدود السياديّة لإسرائيل وتطبّق منذ العام 1967 في المناطق المحتلّة أيضاً. وفي العام 2018 جرى تكريس هذا المبدأ في قانون أساس: إسرائيل – الدولة القوميّة للشعب اليهوديّ والذي ينصّ على أنّ: “الدولة تعتبر تطوير الاستيطان اليهوديّ قيمة قوميّة، وسوف تعمل لأجل تشجيع وتعزيز الاستيطان وترسيخه”.

ونرى أن الاحتلال الإسرائيلي المسيطر على كافّة المناطق بين النهر والبحر يسعى إلى تحقيق تفوّق يهوديّ في هذه المناطق. لكي يحقّق هذا الهدف قسّم الأراضي والسكّان الفلسطينيّين إلى وحدات شتّى وخصّص للفلسطينيّين في كلّ وحدة رزمة مختلفة من الحقوق – جميعها منقوصة مقارنة بالحقوق الممنوحة للمواطنين اليهود المقيمين في المناطق نفسها التي يسيطر عليها الاحتلال. في إطار هذه السياسة جرى تجريد الفلسطينيّين من حقوق كثيرة بما في ذلك حقّ تقرير المصير.

وبدورنا نؤكد ان ما تقوم به سلطات الاحتلال الإسرائيلي يمس حقوق الإنسان الفلسطيني بمقتل ويعمل على اقتلاعه من رضه بشتى الوسائل، وأن استمرار هذه السياسية يرقى لمستوى حرب إبادة تدريجية، نطلب من الدول الوازنة التدخل لإنهاء هذا الوضع والوقوف بجانب حقوق العادلة للشعب الفلسطيني وعدم الكيل بمكيالين.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى