التقارير

محكمة العدل العليا في إسرائيل، تجعل الدولة وتصرفاتها فوق القانون

عشيّة ذكرى الـ 74 للنكبة، نشرت المحكمة العليا الإسرائيلية قرارها بشأن التماسات رُفعت إليها ضدّ خطّة إسرائيلية لترحيل نحو ألف من الفلسطينيّين عن منازلهم في تلال جنوب الخليل.

الآن، بعد مضيّ 22 عاماً على محاولة الترحيل الأولى، جاء قرار القضاة دافيد مينتس ويتسحاق عميت وعوفر غروسكوف بردّ الالتماسات. وقد قضت المحكمة في هذا القرار بأنّ القائد العسكريّ يملك صلاحيّة إغلاق المنطقة من أجل إجراء تدريبات عسكريّة للمتجنّدين الجُدُد في “لواء ناحَل” (لواء “الشبيبة الطلائعية المحاربة”، أحد ألوية النخبة في الجيش الإسرائيلي) وأنّه مخوّل ضمن ذلك أيضاً صلاحية أن يٌبعد من المنطقة مَن لا يقيم فيها بشكل دائم وثابت. قرّر القضاة أنّ مقدّمي الالتماس لا يُقيمون في هذه المنطقة بشكل دائم وثابت ولذلك يمكن طردهم منها؛ بهذا، سمح القضاة للدّولة أن تنفّذ جريمة حرب.

ماذا يتضمّن قرار الحُكم؟

أنّه يجب رفض الالتماسات جُملة وتفصيلاً، وذلك بسبب التأخّر في تقديمها – أي بعد مرور سنوات على إصدار القائد العسكريّ الأمر بإغلاق المنطقة ـ وبسبب “عدم نظافة اليدين وانعدام حُسن النيّة تماماً” من جانب الملتمسين، إذ أنّهم استغلّوا الأوامر المؤقّتة لكي يواصلوا بناء منازلهم على مدى سنوات النظر في الالتماس، وذلك رغم أنّ البناء “مخالف للقانون وبدون ترخيص نظراً لانعدام الإمكانيّة من الناحية التخطيطيّة في منطقة تدريبات عسكرية”. وأضاف القاضي أنّ “أخذ القانون باليدين واللّجوء إلى القضاء طلباً للعدل لا ينسجمان”.

لم يخصّص القاضي للقانون الدوليّ سوى فقرتين قصيرتين فقط. فهو يرى إنّ صلاحيّة القائد العسكري بإغلاق منطقة ما لا تتعارض مع أحكام القانون الدوليّ. وعلى أيّة حال، حتى لو تعارضت مع تلك الأحكام فهذا لا يغيّر شيئاً لأنّه “لا جدال على أنّه حين يتعارض نصّ صريح في القانون الإسرائيليّ مع أحكام القانون الدوليّ فإنّ الغلبة هي للقانون الإسرائيليّ”. كما قرّر القاضي أنّ طرد السكّان من منازلهم لا يشكّل خرقاً للبند 49(1) في اتفاقيّة جنيف الرّابعة والذي يحظر طرد السكّان في منطقة محتلّة من منازلهم. ذلك لأنّ هذا البند هو “بند توافقيّ” الدولة ليست مُلزمة بالعمل بموجبه ولأنّه “لا توجد أيّة علاقة بين ملابسات الحالة التي أمامنا وهذا البند الذي وُضع لكي يمنع تنفيذ تهجير جماعيّ لسكّان منطقة محتلّة بغية إبادتهم وإكراههم على تنفيذ أعمال سُخرة أو لتحقيق أهداف سياسيّة مختلفة”.

مغالطات اكتنفت قرار المحكمة

  • تجاهُل الهدف الحقيقيّ من إعلان المنطقة منطقة تدريبات عسكرية: نقل الأرض إلى أيدٍ يهوديّة

القاضي قَبل بالتماس ادّعاء الدولة بأنّ إغلاق تلك المنطقة تمّ لاحتياجات التدريبات العسكريّة فقط بينما رفض في المقابل ادّعاءات الملتمسين بوجود دوافع أخرى من وراء ذلك. إلّا أنّ فحص كلّ من سياسة إسرائيل في هذه المنطقة على مرّ السّنين والأدلّة التي قُدّمت إلى المحكمة يشير إلى أنّ إسرائيل تسعى إلى الاستيلاء على أراضٍ في هذه المنطقة ثمّ نقلها إلى أيدٍ يهوديّة واستخدامها لاحتياجاتها.

الهدف الحقيقيّ من إعلان هذه الأراضي بالذات منطقة تدريبات عسكرية يتجلّى بوضوح في محضر جلسة عقدتها في 12.7.81 لجنة الاستيطان المشتركة للحكومة والمنظمة الصهيونيّة العالميّة. وكان رئيس اللّجنة وزير الزراعة آنذاك أريئيل شارون. خلال تلك الجلسة أوعز شارون إلى الجيش بأن يحوّل مساحات من الأراضي في تلال جنوب الخليل إلى مناطق تدريبات عسكرية.

  • إلغاء القانون الدّوليّ

في الالتماس الذي قدّموه، أشار الملتمسون إلى أحكام القانون الدوليّ ذات الصّلة. وقد فصّلوا واجبات القائد العسكريّ تجاه السكّان الفلسطينيّين وحظر طرد سكّان منطقة واقعة تحت الاحتلال والقيود السّارية على الدّولة المحتلّة فيما يخصّ استخدام الأراضي في المنطقة المحتلّة وحقوق الإنسان التي انتُهكت نتيجةً لإعلان تلك الأراضي منطقة تدريبات عسكرية. كما أرفق مقدّمو الالتماس رأيين مهنيين من إعداد خبراء في القانون الدوليّ يبيّنان هذه النقاط بوضوح. في ردّها (محتوى الرابط باللغة العبرية) على الالتماس، أجابت الدولة على هذه الادّعاءات بتوسّع وأوضحت لماذا يعتبر إغلاق تلك الأراضي قانونيّاً وفقاً للقانون الدوليّ. بعض هذه النقاط نوقشت أيضاً خلال مداولات المحكمة.

في المقابل، يعتقد القاضي بأنّ أحكام القانون الدوليّ لا صلة لها بتاتاً بالالتماس. وفقاً لرأيه، يكفي أنّ صلاحية القائد العسكريّ بشأن إغلاق مناطق يكفلها القانون العسكري السّاري في الضفة الغربيّة. هذه النظرة، حيث لا قيود إطلاقاً على قوّة المحتلّ سوى قوانينه هو نفسه، تُناقض مبادئ القانون الدوليّ والقانون الإسرائيليّ وقرارات صدرت عن المحكمة العليا نفسها.

  • طمس الحقائق

لدى قراءة قرار الحُكم يظنّ القارئ أنّ هناك فعلاً سؤال حول ما إذا كان مقدّمو الالتماس – كما فلسطينيّين آخرين من سكّان المنطقة ممّن لم يقدّموا التماسات – يقيمون حقّاً في تلك الأراضي التي أعلنتها الدّولة “مناطق تدريبات عسكرية”. غير أنّ هذه المسألة لا جدال فيها: هنالك أدلّة كثيرة وقاطعة على وجود تجمّعات فلسطينيّة في هذه المنطقة.

خلافاً لادّعاءات الدّولة التي قبلها القضاة بالكامل، لم “يغزُ” السكّان منطقة أعلنتها إسرائيل منطقة تدريبات عسكرية بعد الإعلان وهُم لا يحاولون الاستيلاء على تلك الأراضي وهدفهم ليس “فرض وقائع على الأرض”. إنّهم يقيمون هناك منذ أجيال بعيدة. لقد قُدمت إلى المحكمة مستندات وتصريحات وشهادات وآراء – جميعها تثبت أنّ تجمّعات فلسطينية تقيم في هذه المنطقة منذ ما قبل احتلال إسرائيل لها.

منذ بداية القرن الـ 19 هنالك توثيق لخروج رُعاة من مدينة يطّا ومحيطها لإقامة قرىً في منطقة تلال جنوب الخليل. في البداية كان المكوث موسميّاً مؤقتاً وكان الرّعاة يأتون إلى المنطقة لرعي المواشي ثمّ يعودون في الصّيف إلى يطّا. بمرور السّنين وفي سيرورة تدريجيّة حصلت في أعقاب التزايد السكّانيّ والحاجة إلى أراضٍ إضافيّة وتعذّر إمكانيّة امتلاك أراضٍ في يطّا نتيجة لمصاعب اقتصاديّة، انتقلت العائلات الأكثر فقراً إلى السّكن بشكل دائم في قرى الرّعاة. هكذا تطوّرت ظاهرة السّكن في الكهوف ومحيطها ولا يزال هناك مربّو مواشٍ ومزارعون يقيمون فيها حتى اليوم ويستخدمون الأراضي الزراعيّة والمراعي التي ورثوها قبل قيام دولة إسرائيل.

ومما يبدو لنا واضحًا جليًا أن السلطات الإسرائيلية تستخدم محكمة العدل العليا الخاصة بها لقوننة احتلالها للمناطق الفلسطينية ومنح غطاء قانوني زائف لتبرير سرقة أراضي الفلسطينيين والاستيلاء عليها، ونؤكد على ضرورة سريان مفعول الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالأراضي المحتلة على الأراضي الفلسطينية، ونرى ضرورة تفنيد التشريع الذي يجعل من إسرائيل دولة فوق القانون وفوق المحاسبة.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى