التقارير

منطقة مسافر يطّا الخليل تهجير ونكبة جديدة تواجه الفلسطينيين

في بداية ثمانينيّات القرن الماضي أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي “منطقة إطلاق نار 918” وتمتدّ على أرض تبلغ مساحتها نحو 30 ألف دونم في تلال جنوب الخليل وتسمّى مسافر يطّا. عندما فعل الجيش ذلك كانت تنتشر في المنطقة 12 قرية صغيرة تسكن فيها عشرات العائلات منذ سنوات طويلة. منذ ما قبل احتلال إسرائيل لأراضي الضفة الغربيّة كانت هذه العائلات تقيم في كهوف طبيعيّة أو محفورة – بعضها مستقرّة فيها وبعضها يسكنها موسميّاً – وتعتاش من الزراعة وتربية المواشي.

في السّنوات التي تلت إعلان الأراضي “منطقة إطلاق نار” واصل السكّان الإقامة في منازلهم دون عائق تقريباً: كان الجيش قد توصّل معهم إلى ترتيبات مختلفة تقيّد دخولهم إلى أراضيهم ولكنّ هذه الاتّفاقات بقيت شكليّة ولم تطبّق عمليّاً. واصل السكّان الإقامة في تجمّعاتهم وفلاحة أراضيهم ورعاية مواشيهم طيلة أيّام السّنة دون عائق يُذكَر.

خلال شهرَي تشرين الأوّل وتشرين الثاني من العالم 1999 طرد الجيش نحو 700 من سكّان القرى الـ 12 المنتشرة في هذه المنطقة. لأجل طرد السكّان تذرّعت السّلطات بالحجّة الواهية “السّكن بشكل غير قانونيّ في منطقة إطلاق نار”. بذلك تجاهلت السّلطات أنّ هؤلاء السكّان أقاموا في المنطقة لسنين طويلة قبل الاحتلال وبعده بعِلم الجهات الرسميّات كلّها. علاوة على ذلك تتعارض هذه الحجّة مع أمر الإغلاق إذ ينصّ هذا على أنّ الأمر لا يسري على سكّان المنطقة المغلقة.

في أعقاب الطرد قدّمت نحو 200 أسرة من أهالي القرى المذكورة التماسات إلى محكمة العدل العليا بواسطة جمعيّة حقوق المواطن والمحامي شلومو ليكر، وفي آذار 2000 أصدرت المحكمة أمراً احترازيّاً يقتضي أن تسمح الدّولة لأهالي القرى بالعودة إلى منازلهم واستخدام مراعيهم إلى حين البتّ في الالتماس. بإيعاز وتشجيع من المحكمة عُقدت لاحقاً جلسات تحكيم برئاسة رئيس الإدارة المدنيّة سابقاً عميد احتياط دوف تسادكا وفي إطار ذلك اقترحت الدولة أن ينتقل الأهالي للسّكن في منطقة أخرى – أصغر بكثير – تقع جنوبيّ بلدة يطّا لكنّ الأهالي رفضوا الاقتراح. في بداية العام 2005 انتهى إجراء التحكيم دون التوصّل إلى نتيجة ومنذ ذلك الحين قدّمت سلطات الاحتلال مراراً وتكراراً – 27 مرّة – طلبات لتأجيل موعد تقديم موقفها المحدّث إلى المحكمة وهكذا ظلّت الالتماسات معلّقة طوال سنين.

في 19.7.2012 وبعد مضيّ 12 سنة على الطرد أبلغت الدولة محكمة العدل العليا بموقفها المحدّث موضحة فيه أنّها تعتزم هدم ثماني من القرى الـ 12 الواقعة ضمن منطقة إطلاق النار علماً أنّه أقام فيها حينذاك أكثر من ألْف نسمة. إلى جانب ذلك أبلغت الدولة انّها على استعداد للسّماح للأهالي بمواصلة فلاحة أراضيهم الواقعة داخل منطقة إطلاق النّار بحيث يقومون بذلك في نهايات كلّ أسبوع وفي الأعياد اليهوديّة ولمرّتين في السّنة لمدّة شهر في كلّ مرّة. في أعقاب ذلك ألغت المحكمة الالتماسات ولكنّها أتاحت للملتمسين إمكانيّة تقديم التماسات جديدة أيضاً بخصوص موقف سلطات الاحتلال المذكور.

وبالفعل، قدّم الأهالي التماسات جديدة في كانون الثاني 2013 بواسطة جمعيّة حقوق المواطن والمحامي شلومو لكر، وفي أعقابها أيضاً أصدرت المحكمة أمراً احترازيّاً منع الدولة من طرد السكّان إلى حين البتّ النهائيّ بالالتماسات. أجرت المحكمة العليا جلستها الأخيرة للنظر في هذه الالتماسات في 10.8.2020 وفي هذه الجلسة ادّعت الدولة مرّة أخرى أنّ الملتمسين لم يكونوا سكّاناً دائمين في المنطقة حين أعلنتها “منطقة إطلاق نار” ولهذا لا يحقّ لهم مواصلة السّكن في منازلهم. كذلك ادّعت الدّولة أنّ السكّان يستغلّون الأمر الاحترازيّ – والمقصود أشخاص إضافيّون ممّن لا يشملهم هذا الأمر ينتقلون للسّكن في المنطقة وأنّ السكّان يبنون بدون ترخيص. كذلك ادّعى ممثّل النيابة أنّ الدولة كانت على استعداد لـ “حلّ وسط” مع السكّان يتيح لهم مثلاً المكوث في منازلهم لمدّة شهرين في السّنة بتنسيق مسبق، أو في نهاية كلّ أسبوع وفي الأعياد حيث تتوقّف تدريبات جيش الاحتلال هناك، لكنّ الملتمسين رفضوا جميع الاقتراحات. تشبّث القضاة بهذه الادّعاءات وأوضحوا للملتمسين أنّ عليهم النظر في حلول مختلفة تشمل تمكين الجيش من التدرّب في منطقة سكناهم مشيرين أنّ “الإجابة تكمن في هذه التسوية أو تلك”. رفض ممثّلو الملتمسين هذه الإمكانيّة لكنّ القضاة رغم ذلك خصّصوا للأطراف ستّين يوماً عليهم أن يفحصوا خلالها هل يمكن التوصّل إلى حلّ وسط أيّاً كان في هذه المسألة، لتُصدر بعد ذلك حُكمها في القضيّة.

صحيح أنّ الأمر الاحترازيّ الذي ظلّ ساري المفعول طوال هذه السّنين قد منع الدولة من طرد أهالي القرى المذكورة لكنّهم واصلوا السّكن في منازلهم وفلاحة أراضيهم وهُم مهدّدين بهدم قراهم وإجلائهم عنها وسلب مناطق معيشتهم، وفي موازاة ذلك مُنعوا من تطوير قراهم وإقامة أيّ بناء جديد. لم يبق خيار أمام السكّان سوى البناء دون ترخيص لتلبية احتياجات السّكن وتطوير البُنى التحتيّة – بما في ذلك تمديد شبكة الكهرباء وشبكة الماء. إزاء ذلك أصدرت الإدارة المدنيّة أوامر هدم للمنازل والبُنى الجديدة وضمن ذلك أوامر هدم ضدّ مبانٍ أقامها سكّان تجمّعات مسافر يطّا. في بعض الحالات نفّذت الإدارة المدنيّة الأمر وهدمت فعلاً المباني كما صادرت منشآت البُنى التحتيّة. ومنذ العام 2006 وثّقت بتسيلم هدم 64 مبنىً سكنيًا والتي كان يسكنها 346 فردًا وبضمنهم 155 قاصراً أضحوا دون مأوى. علاوة على ذلك وثقت بتسيلم منذ مطلع العام 2012 هدم 19 منشأة غير سكنية في هذه التجمعات.

بعد أكثر من عشرين عاماً، قرّرت “محكمة العدل العليا” أمس أنّ طرد مئات الأشخاص من منازلهم لنقل الأرض التي يقيمون فوقها إلى اليهود هو عمل قانونيّ. وبذلك، أثبتت المحكمة مرّة أخرى أنّه ليس بإمكان الواقع تحت الاحتلال انتظار العدالة من محكمة دولة الاحتلال.

هذا القرار، الذي استند إلى تفسيرات قانونية باطلة وحقائق اختيرت بصورة انتقائية، يوضح أنّه ليست هنالك أية جريمة يَعجز قضاة المحكمة العليا عن إيجاد طريقة لشرعنتها.

بمعسول الكلام، بالنفاق، بالتظاهر بالبراءة الخادعة وبالتضليل، أدّى القضاة مرّة أخرى دورهم في إطار نظام التفوّق اليهوديّ ومهّدوا الطريق لتنفيذ الجريمة، وسط قلب الحقائق والوقائع: تحويل الضحايا إلى جُناةً “يأخذون القانون بأيديهم” وتحويل نظام الأبارتهايد إلى ضحية تتصرّف بكرَم نادر وتقدّم أكثر ممّا يُمليه عليها الواجب.

ونؤكد أن يقع على عاتق المجتمع الدوليّ واجب منع إسرائيل من تنفيذ التهجير والتأكيد على أنّه إذا قامت إسرائيل بذلك فسوف يتم تقديم المسؤولين عن ذلك، بمن فيهم وزراء الحُكومة وقادة الجيش وقُضاة المحكمة العليا إلى المحاكمة.

ونشير إلى أن هناك تجمّعات بأكملها مهدّدة بالهدم ومئات الأشخاص مهدّدين بالطّرد وحياتهم في هذه الأثناء مجمّدة. تقدّم سلطات الاحتلال حججاً شكليّة من قَبيل “منطقة إطلاق نار” أو “قانون التخطيط والبناء” ولكن بالنظر إلى السّياسات التي تتّبعها الدّولة منذ سنين طويلة من الواضح أنّها مجرّد ذرائع هدفها التغطية على مطامع الضمّ التي تضمرها.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى