التقارير

هدم منازل الفلسطينيين؛ حرب إبادة تشنّها إسرائيل

توطئة، دأبت إسرائيل ومنذ تأسيسها (1948م) على سياسة هدم وتدمير مساكن الشعب الفلسطيني، سواء في فلسطين التاريخية التي أقيمت عليها بداية الدولة أو المناطق التي احتلت تباعاً مما تبقّى من الأراضي الفلسطينية، وهي أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة. وهذا المنهج من العمل هدفه الأساس ترويع المواطن الفلسطيني ودفعه إلى الهجرة وطمس معالم الوجود الفلسطيني ومن ثم تشييد جغرافية جديدة بأسماء عبرية توراتية إيذاناً بمحو حضارة بأكملها واستبدالها بدولة مستجدة على نسق ما فعله الأوروبيين في أمريكا الشمالية من إبادة للهنود الحمر وبناء دولة جديدة على أراضيهم بعد طمس هويتهم وتحويلهم إلى أقلية مشتتة في أرجاء القارة.

عمومية الهدم والتدمير؛ والهدم طال مئات القرى الفلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1948م (إسرائيل حالياً) وآلاف المنازل في الضفة الغربية وقطاع غزة بالإضافة لتجريف آلاف الدونمات من الحقول الزراعيّة والكروم تحت غطاء “الاحتياجات العسكرية”. وتطبيق هذه السياسة ترك آلاف السكان بلا مأوى وبلا مصدر معيشة. واتّبعت إسرائيل هذه السياسة على وجه الخصوص خلال الانتفاضة الثانية في قطاع غزة قبل إخلاء المستوطنات وتطبيق “خطّة الانفصال”؛ وكانت غايتها المعلنة من ذلك إنشاء حزام أمني، يحيط بالمستوطنات والمنشآت العسكرية؛ خاصّة عند الحدود بين قطاع غزة ومصر.

آلية هدم المنازل؛ وفي معظم الأحيان كان هدم منازل المواطنين الفلسطينيين يجري في ساعات الليل دون سابق إنذار من أيّ نوع كان. وفي بعض المناطق التي شهدت تكرار تبادل إطلاق النار بين مقاومين فلسطينيين والجنود الإسرائيليين؛ كما في “محور فيلادلفيا” عند حدود القطاع مع مصر، كان السكّان أحيانًا يستبقون الأمر ويتركون منازلهم بأنفسهم ابتغاء للأمن؛ وفي معظم هذه الحالات كان بعض أفراد العائلة يبقون في المنزل لحماية محتوياته وحماية ممتلكات الأسرة. هؤلاء كانوا يضطرّون للفرار وترك محتويات منازلهم وراءهم بعد استيقاظهم من نومهم على صوت هدير الدبّابات والجرّافات الإسرائيلية وهي عند أبوابها تستعدّ لهدم المنزل على ما فيه. وعادت إسرائيل إلى هدم المنازل على نطاق واسع خلال حملتيها العسكريتين على قطاع غزة “الرّصاص المصبوب” في كانون الثاني 2009م “والجرف الصامد” في صيف 2014م، حيث دمّرت أحياء سكنيّة بأكملها إضافة إلى آلاف المنازل الأخرى في أرجاء القطاع. وعادت لنفس الكّرة في حربها على قطاع غزة في العام 2021م؛ حيث استهدف آلاف المنازل خاصة الأبراج السكنية والتي قامت بتدمير أكثر من أربعين برجاً يسكن فيها عشرات آلاف الفلسطينيين، كذلك الأمر قي الضفة الغربية، فقد عادت أعمال الهدم وبقوة، خاصة في مدينة القدس والاحياء المجاورة مثل الشيخ جراح وسلوان ومعظم أحياء القدس الشرقية.

حجج واهية؛ برّرت الحكومة الإسرائيلية أعمال الهدم “بالاحتياجات العسكرية” قائلة إنّ الأمر ضروريّ لأجل حماية قوّات الأمن والمستوطنين. وزعمت أنّ هذه المنازل حُفرت من تحتها أنفاق مخصّصة لتهريب السلاح أو أنّ هذه المنازل أو تلك الحقول استخدمها الفلسطينيون لشنّ الهجمات على أهداف إسرائيلية. وادّعى الجيش أنّه قد ثبتت نجاعة هذه السياسة غير أنه لم يظهر أيّة معطيات أو أدلّة تؤكّد صدقيّة ادّعائه.

خرق فاضح لاتفاقيات دولية؛ ولكنّ مسألة نجاعة هذه السياسة لا علاقة لها إطلاقًا بمدى قانونيّتها. فإسرائيل التي وقّعت على مواثيق القانون الإنساني الدولي وبالتالي فهي ملزَمة بتنفيذ أحكامها، لا يحقّ لها تجاهل هذه المواثيق بحجّة أنّها تمنعها من تحقيق أهدافها. فالقانون الإنساني الدولي يحظر هدم الممتلكات الخاصّة سوى في حالات استثنائية حيث الاحتياجات العسكرية الطارئة والضرورية تحتّم المسّ بمثل هذه الممتلكات وحيث لا سبيل آخر إلى تلبية تلك الاحتياجات.

رأي دولي محايد؛ ففي تأويل نشره الصليب الأحمر الدولي لهذا الحظر عبّر عن مخاوفه من سوء استخدام الاستثناء قائلاً: “يُخشى من أنّ غياب حسن النيّة في تطبيق هذه الاستثناءات سيخليها من أيّة قيمة. وانعدام الضمير في استخدام الاستثناء لاحتياجات عسكريّة سيبيح للقوّة المحتلّة تجاوز الاستثناء المنصوص عليه في الميثاق”. لقد تحقّقت هذه المخاوف في حالة إسرائيل التي استندت في سياسة الهدم إلى هذا الاستثناء الضيّق في تجاهل تامّ لحقيقة أنّه وُجد ليطبّق في حالات نادرة فقط وبروح وغايات القانون الإنساني أصلاً.

مواطنون أبرياء؛ فمئات المنازل والحقول التي دمّرها الجيش الإسرائيلي يملكها فلسطينيون لم توجّه إليهم شبهات الضلوع في أيّ عمل يمسّ بمواطنين إسرائيليين أو بقوّات الأمن. ورغم ذلك دمّر الجيش المنازل التي كانت تأويهم أو مصادر معيشتهم. فعل الجيش ذلك دون أن يتيح لهم طرح ادّعاءاتهم أمام أيّة جهة ودون أن تُدفع لهم أيّة تعويضات. هذه السياسة التي هي بمثابة عقاب جماعيّ ألحقت الأضرار بآلاف الأشخاص.

قوننة تصرفات الجيش، وهدم المنازل هو إجراء إداري يُطبّق دون محاكمة ودون الحاجة إلى إظهار أدلّة أيًّا كانت وذلك استنادًا إلى المادّة 119 من تعليمات الدفاع (أوقات الطوارئ) التي أصدرها الانتداب البريطاني عام 1945. بعد تسليم أمر الهدم للأسرة يمكنها تقديم اعتراض أمام القائد العسكري خلال 48 ساعة. في قرار محكمة العدل العليا من العام 1989، حكمت المحكمة أنّه عند رفض الاعتراض يجب إتاحة الفرصة أمام العائلة لتقدّم التماسًا لمحكمة العدل العليا، قبل تنفيذ الهدم. لكن رغم أنّ محكمة العدل العليا هي التي حكمت بأنّه ينبغي تمكين العائلات من التوجّه إليها لكي تنظر في أمر الهدم، يبدو أنّ ذلك قرار الحُكم المذكور كان مجرّد إجراء شكليّ وتقنيّ لا غير وأنّه كان يهدف إلى خلق وهْم يوحي بأنّها تحرص على حقّ الاستئناف المحفوظ لأصحاب المنزل. على مرّ السنين تمّ تقديم عشرات الالتماسات ضدّ هدم المنازل وطُرحت فيها حجج مبدئية تطعن في قانونيّة هذه الوسيلة، وحجج تداولية تطعن في طريقة تطبيقها، وحجج ضدّ استخدامها في حالات عينيّة. ولكنّ محكمة العدل العليا رفضت تلك الالتماسات على نحوٍ جارف سوى البعض القليل منها وبعض قضاة قدّموا رأي الأقلية في قرار الحُكم.

مواقف قضائية مُتباينة وتورط للقضاء؛ واستمرارًا لموقف الدولة كتب القضاة في الأحكام التي أصدروها حول هذه المسألة أنّ الحديث يجري عن وسيلة ردع فقط، وليس عن وسيلة لمعاقبة أفراد الأسرة. ومع أنّه لم تُعرض أمامهم معطيات أبدًا – وهُم حتى لم يطلبوها – قبل القضاة ادّعاء نجاعة الردع وقرّروا أنّه لا يمكنهم التدخّل في تقديرات الجهات الأمنيّة. كذلك وبحجّة أنّ هدم المنازل غايته الردع لا أكثر رفض القضاة حجّة الملتمسين بأنّ هذا الأمر هو بمثابة عقاب جماعيّ محظور في القانون الدولي وقرّروا أنّ قوانين الدولة نفسها على كلّ حال، تعلو على مبادئ القانون الدولي. كذلك قبل القضاة عودة الدولة إلى هدم المنازل في 2014 دون اعتراض وقرّروا أنّه ليس من وظيفتهم التدخّل في اعتبارات جهاز الأمن، وقبلوا حجّة الدولة القائلة إنّه بإمكان السلطات تغيير سياستها وبالتأكيد يمكنها ذلك لدى تغيّر الظروف. ختم القانونيّة الذي طبعت به محكمة العدل العليا هدم المنازل أتاح للسلطات مواصلة تطبيق هذه السياسة دون قيد ولكنه لا يكفي لجعل الهدم المنهجي لمنازل الأبرياء أخلاقيًّا ولا قانونيًّا: كلّ ما يفعله هذا الختم هو أنّه يجعل القضاة شركاء في الجريمة.

ماذا بعد؛ لم يخرج العالم الغربي ومؤسسات المجتمع الدولي بأي أمر جدي لوقف عمليات الهدم والإبادة الجغرافية التي تنتهجها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، سوى شجب خجول يبدو على أنه موافقة ضمنية على ما يحصل، وهذا الموقف جعل من إسرائيل دولة فوق القانون الدولي وتحت حماية الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الأوروبي بنفس الوقت، فعلى الرغم من اعتداءات إسرائيل على المواطنين الفلسطينيين واستمرار احتلال أراضيهم، إلا أن المستوى السياسي الأوروبي والامريكي يتعامل مع إسرائيل على أنها دولة تتعرض للهجوم وليست دولة مُحتَلِة لأراضي الغير، وأمّا ما تبقى من المجتمع الدولي فيكتفي بالإدانة والشجب دون أي خطوات فعلية مؤثرة.

ما المطلوب؛ على المجتمع الدولي وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي تغيير سياسته هذه التي في اضرار بحقوق الغير، وعليه توجيه إسرائيل بالالتزام بالشرعة والقانون الدولي، ونحن في منظمتنا ندعو لتحركات قضائية تجرم إسرائيل وتعاقبها ونحض المجتمع الدولي على رفع صوته وعدم الاكتفاء بالشجب والاستنكار فحسب.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى