الشرق الأوسطالمناطق

وضع العمالة الأجنبية في المملكة العربية السعودية

ضمن إطلاق الرؤية الاقتصادية 2030 لسعودة سوق العمل وتنويع مصادر دخل الاقتصاد السعودي، أصدرت وزارة العمل السعودية قرارا بمنع العرب والأجانب من العمل في 12 قطاعا من ضمنها بيع الأجهزة الكهربائية ووسائل الاتصال وذلك افساحا للمجال للسعوديين بالعمل في هذه المرافق وتقليص نسبة البطالة في صفوف الشباب السعودي بشكل يوازي نسبة الاجانب فيها. وتنفيذا لهذه السياسة بدأت السعودية بالترحيل السريع والقسري لمئات الالاف من العمال العرب والاجانب. ولزيادة الضغط على هذه الفئات قامت السلطات برفع الرسوم والضرائب على افراد العائلات المقيمة الى جانب اجراءات ترحيل امنية مترافقة مع الذل والإهانة سبقها عدم دفع الرواتب لعدة أشهر ناهيك عن الامتناع عن دفع التعويضات العائدة لسنوات الخدمة، فما كان أمام هذه العائلات سوى خيار العودة بأياد فارغة الى اوطانهم التي تعاني ما تعانيه من حروب ودمار اقتصادي وظروف معيشية صعبة كسوريا ولبنان واليمن. أما المحظوظين من هؤلاء فقد تمكنوا من الهجرة الى البلاد الأوروبية ليبدأوا حياتهم من جديد.

واللافت للنظر هو عدم تسليط الضوء على هذا الموضوع من قبل الاعلام وإثارته احيانا بشكل خجول من قبل المنظمات الحقوقية والدولية.

نظام الكفالة ما قبل إصلاحات 2021

عمدت المملكة إلى الاعتماد على الكوادر الغربية لتشغيل شركات النفط بالإضافة الى اليد الفنية من بعض الدول العربية، بعد اكتشاف النفط في ثلاثينيات القرن الماضي، وازدادت نسبة العمال والكوادر الاجنبية مع ارتفاع اسعار النفط وازدياد الانتاج وقد اعتمد الاقتصاد السعودي منذ البداية على الغربيين في الصناعات المتخصصة التي تتطلب خبرة، يفتقر السعوديون إليها، وعلى القوة العاملة الآسيوية في المهام التي لا تتطلب مهارات ولا يشغلها السعوديون بحجة انها تفتقر الى القيمة الاجتماعية.

كان هناك زيادة في أعداد الاناث القادمات من سيريلانكا والفلبينيين واندونيسيا اللواتي شغلن أدواراً في قطاع الخدمات وخاصة في الفنادق وكخادمات في المنازل. وقد قدر عدد العمال الاجانب عام 2019 بحدود بحدود 12 مليون عامل.

يعد نظام العمل في السعودية من أسوأ الانظمة بحق العمال، فهو ينتهك حقوقهم التي كفلتها جميع المعاهدات الدولية وشرعة حقوق الانسان. اذ يلزم هذا النظام العامل ان يكون لديه كفيل سعودي حتى يتمكن من دخول البلاد ويكون للكفيل الحق في تجديد الاقامة او الغائها ساعة يشاء ويحرم نظام الكفالة العمال من حرية تغيير العمل او مغادرة البلاد دون موافقة الكفيل حيث مكرسا” بذلك التمييز والاستغلال وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان. وتشكل التجاوزات التي تتعرض لها الخادمات التي يتم استقدامهن من الخارج وخصوصا من بلدان شرق آسيا، أكثر الانتهاكات التي ترتكب بفعل تطبيق نظام الكفالة، وتعد مصادرة أرباب العمل لجوازات سفر العمال وإجبارهم على العمل لساعات طويلة وحرمانهم من الأجور أمرا” شائعا” في السعودية وسبق أن وثّقت منظمات لحقوق الانسان مجموعة من الانتهاكات بحقّ العاملات المنزليات الوافدات، بما في ذلك عدم دفع رواتبهنّ، وتحديد إقامتهنّ قسرا، وحرمانهنّ من الطعام، وتعريضهنّ للعمل المفرط، وللإساءة النفسية والجسدية والجنسية. وصنفت السعودية ضمن الدول التي لا تمتثل حكوماتها كلياً للحد الأدنى من المعايير التي تحد من الممارسات المؤدية إلى الاتجار في البشر، ولا تبذل جهوداً قصوى لإيقافه.

بداية الإصلاحات

قامت السعودية بإجراء بعض التحسينات على نظام الكفالة بعد ضغوط ومطالبات حثيثة من هيئات حقوق الانسان والمنظمات الدولية وادخلت بعض الاصلاحات على قوانين العمل التي تضمن للوافدين خدمة التنقل الوظيفي التي تتيح للعامل الوافد الانتقال عند انتهاء عقد عمله دون الحاجة لموافقة صاحب العمل. وتحدد المبادرة آليات الانتقال خلال سريان العقد بشرط الالتزام بفترة الإشعار والضوابط المحددة وقد دخلت هذه الاصلاحات حيز التنفيذ في اذار 2021.وتتضمن المبادرة “خدمة الخروج والعودة، التي تسمح للعامل الوافد بالسفر خارج المملكة، وذلك عند تقديم الطلب مع إشعار صاحب العمل إلكترونيًّا دون منح صاحب العمل المزايا السابقة في نظام الكفالة.

عيوب وتحديات

إلا أن هذه الخطوات الاصلاحية تبقى غير كافية ولا تفي بالغرض ويبقى الهدف الاساسي من تنفيذها هو جعل سوق العمل السعودي أكثر جاذبية، بهدف تنويع اقتصاد المملكة المعتمد على النفط. وبالرغم من اهمية هذه الاصلاحات والتي تعتبر خطوة مهمة في تحسين نظام الكفالة في المملكة، الا انها تبقى ناقصة وخجولة وهناك الكثير من الحقوقيين يشككون في هذه الخطوة ويرون فيها مجرد عملية تجميلية لتحسين صورة المملكة. فحرية انتقال هؤلاء العمال للعمل عند كفيل آخر حسب القانون الجديد سيكون متاحا لهم في نهاية العقد، دون الحاجة لموافقة الكفيل الأول، بشرط أن يتم إخطاره بذلك وأن يتم الالتزام بـ”إجراءات معينة” من قبلهم – لم يتم تحديدها.

وهناك تفاصيل غيرها ما زالت غير واضحة، كطول فترة الإخطار وبهذه الحالة تبقى المسألة الأساسية هي أن العمال مقيدون أمام رب العمل، ويمكن أن يتعرضوا لسوء المعاملة خلال فترة التعاقد.

بالإضافة الى  ذلك فإن التحسينات التي قامت بها المملكة استثنت خمس مهن لم تشملها الاصلاحات وهي : السائق الخاص، والحارس، والعمالة المنزلية، والراعي، والبستاني وهي الفئات الاكثر عرضة” للعمل الجبري والاستغلال والتي طالبت جميع الهيئات الحقوقية والمنظمات الانسانية بضرورة حمايتهم وايجاد طرق قانونية لضمان حقوقهم وخاصة بعد توثيق حالات من قبل المفوضية الدولية لحقوق الإنسان  لتعرض العاملات في المنازل للاحتجاز لساعات طويلة في منازل اصحاب العمل، ومصادرة جوازات سفرهم واجبارهم على العمل لساعات طويلة بدون اجازة كما تعرضن لإساءات جسدية وجنسية.

نستنتج من كل ذلك ان الهدف من الإصلاح المسمى “مبادرة إصلاح العمل” (LRI) هو:

أولا: ضرورة بالنسبة للمملكة التي تمر بأزمة اقتصادية خطيرة والإصلاح يأتي من أجل إضفاء نوع من المرونة على سوق العمل بغرض جلب الاستثمارات الأجنبية المباشرة (عزوف كثير من الشركات المتعددة الجنسيات عن الاستثمار بسبب نظام الكفيل الذي يمس كل العاملين الأجانب مهما كان مستوى تأهيلهم).

ثانيا: محاولة تلميع صورة النظام الذي عرف ويعرف انتقادات كبيرة من طرف الهيئات الحقوقية الدولية والمنظمات غير الحكومية ومنظمة العمل الدولية فيما يتعلق بحقوق الإنسان وظروف العمل وبالأخص نظام الكفيل الذي تعتبره كل هذه المنظمات بمثابة “عبودية حديثة”.

هذا الإصلاح هو خطوة نحو تحسين نظام الكفالة، ولكنه ليس إلغاء لهذا النظام، صحيح هو يسمح للعامل بتغيير عمله ومغادرة البلد دون موافقة الكفيل، ولكن هناك عدد كبير من التساؤلات تبقى عالقة:

أولا: عدد كبير من العمال لا يستفيدون من هذا الإصلاح من ضمنهم:

–  العمال الوافدين بطريقة غير رسمية (والذين تأتي بهم الوكالات المعتمدة رسميا ولكن لا تصرح بهم) والمقدرين بالملايين حسب عدد من المصادر.

– العمال غير المؤهلين والذين يعانون من ظروف عمل قاسية جدا لا تمكنهم من الإفلات من قبضة الكفيل (مدينين لهم في أغلب الأحوال (أي عليهم ديون).

– العاملات والعاملون في المنازل غير معنيون أيضاً بالإصلاح بالنظر لعدم خضوعهم لقانون العمل السعودي.

ثانيا: صعوبة تطبيق هذه الإصلاحات بسبب غياب هيئات الرقابة (مفتشية العمل مثلا) وسيطرة وكالات التوظيف (بارونات الكفالة) على سوق العمل، فمثلا تتحدث كثير من المصادر على أن حجز جوازات السفر لازال ساري المفعول.

ثالثا: الإصلاح لا يتكلم عن ظروف العمل التي تشبه العبودية في كثير من الحالات (الأجور، ظروف الإقامة والعيش، التمييز بين الجنسين وبين المحليين والأجانب.

رابعا: الإصلاح لا يتكلم عن الضمانات التي تمنح للعامل عند تغيير عمله دون موافقة الكفيل ولا عند أخذ قرار المغادرة من السعودية. وبصورة عامة، حتى وإن كانت هناك إرادة للإصلاح، فإن هذا الأخير سوف لن يعرف تطبيقا فوريا بالنظر لبؤر المقاومة الكثيرة للإصلاح خاصة من أصحاب الوكالات ومن طبيعة المجتمع نفسه الذي تطغى عليه التقاليد السلطوية.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى